مرحله التأسيس
كٌتب في 25/12/2010
في الماضي القريب كان الوجود الفلسطيني في الساحه الأوروبيه يعبر عن نفسه من خلال الأطر النقابيه المتعدده والشامله التي خلقتها منظمه التحرير الفلسطينيه لتنظيم الوضع الفلسطيني ولتعبئه جماهير الشعب الفلسطيني ولتأطيرها في بيتها الوطني الشامل الممثل في المنظمه
فكان هناك إتحادا للعمال , وآخر للمرأه , وللطلاب وللأطباء والصيادله , وللفنانين , وللكتاب والصحفيين ...الخ
وكانت هذه المنظمات النقابيه والتي هي جزؤا لا يتجزاء من منظمه التحرير الفلسطينيه , تمتلك تقليدا ديمقراطيا يسمح لها بإداره الجدل الفلسطيني الداخلي ما بين كل الوان الطيف السياسي الفلسطيني (ماعدا الإسلاميين الذين كان لهم موقفهم السلبي من المنظمه ومؤسساتها , بدعوى ’’علمانيتها’’ ) , وتنتخب في اطرها وحسب انظمتها الداخليه هيئاتها القيايه وممثليها الى مؤتمراتها العامه , والتي كانت تنتخب ممثلي هذه النقابات في المجلس الوطني الفلسطيني , ومنهم الكثيرين الذين وصلوا من خلال عملهم النضالي في تلك النقابات الى اعلى درجات سلم المسؤوليه , إن كان ذلك ضمن فصائلهم , او في مؤسسات منظمه التحرير الفلسطينيه نفسها .
وفرنسا لم تشذ عن هذه القاعده , بل واكثر من ذلك , حيث ان خصوصيه وضعها كبلد اوروبي مركزي المتمثل في :ـ
ـ دورها الاساسي في تكوين صوره اوروبا كقطب ثالث ناشئ خلال الحرب البارده
ـ ودورها الفعال في دعم تكتل عدم الإنحياز -
ـ والدور التاريخي للجنرال ديغول وللديغوليين من بعده في التقارب مع دول العالم الثالث ومع العالم العربي بالخصوص -
ـ وموقف الجنرال المتمييز في تفهم ابعاد المشكله الفلسطينيه عشيه حرب السبعه وستين
ـ إضافه لتاريخ الحركه النقابيه الفرنسيه ونضالاتها وتقاليدها في دعم حركات التحرر الوطني في العالم , ومعايشتها لصراع الشعوب الأفريقيه , وخاصه منها شعوب المغرب العربي ضد الكولونياليه الفرنسيه ومن اجل تحررها وإستقلالها
ـ ودور القوى السياسيه الفرنسيه في مقاومه الإحتلال النازي لفرنسا
ـ الدور التاريخي للشبيبه الفرنسيه في تغيير معالم المجتمع الأوروبي وفي رسم صورته الحديثه خلال وبعد ’’إنتفاضه - الثمانيه وستين ـ
كل ذلك جعل من فرنسا اواخر الستينات وبدايات السبعينيات محط انظار حركات التحرر الوطني والتي تسابقت للتواجد على الساحه الفرنسيه , ولتكوين تمثيل لها يسمح بنسج افضل اواصر العلاقه مع القوى الفرنسيه الحيه والفاعله , لإستجلاب عوامل قوه إضافيه لحركات التحرر تلك , تسمح لها بالتعريف بقضاياها العادله , وتستجلب لها الدعم اللآزم في نضالاتها من اجل تحررها الوطني
اما بالنسبه لنا كفلسطينيين , فلقد كان هناك خصوصيات إضافيه ميزت حالتنا في فرنسا :ـ
ـ وكان اول هذه الخصوصيات هو التعداد الضئيل لعددنا هنا نتيجه ظروفنا التاريخيه (الإنتداب الإنجليزي) ـ
ـ وثاني هذه الميزات هو طبيعه صراعنا مع الصهيونيه الذي جعل من الثوره الفلسطينيه محط انظار الجماهير العربيه ومن
ضمنهم المغتربين العرب المتواجدين بكثافه على الساحه الفرنسيه نتيجه ل’’العلاقات الخاصه’’ التي ربطت دول المغرب العربي وشعوبها بالدوله الفرنسيه
ـ كما وأن التاريخ النضالي الحافل للجاليات العربيه , وخاصه منها الجزائريه والمغربيه , في النضال على الساحه الفرنسيه ضد
الإستعمار الفرنسي المباشر , وضد الأنظمه المٌنبثقه عنه
ـ وعلاقاتها المُميزه مع القوى الفاعله على الساحه الفرنسيه
كل ذلك خلق لنا كفلسطينيين أرضيه خصبه تُعوّض قله عددنا وتسمح لنا ولقضيتنا بالظهور بقوه على الساحه الفرنسيه
***
حركه فتح كانت اول من إستشف (وهذا ليس إنحيازاً بل حقيقه تاريخيه ) اهميه الترابط مابين الحركه الوطنيه الفلسطينيه والقاعده العريضه من المغتربيين العرب في اوروبا , وخاصه منها في فرنسا , تماماً كما كانت قد إستشفت ضروره ترابط الفلسطينيين انفسهم مع قضيتهم من خلال منظمه التحرير الفلسطينيه واطرها الهيكليه التي تتسع لكل ابناء الشعب الفلسطيني , فالعمل الجماهيري العربي لصالح القضيه الفلسطينيه , بالنسبه لحركه فتح , كان لابد وان يتوازن مع بروز ’’الشخصيه الوطنيه الفلسطينيه ’’ ( وهذا ما ميزها عن غيرها من الفصائل الفلسطينيه التي كانت إمتدادا لحركات دوليه او إقليميه ) , فهي (اي الشخصيه الوطنيه الفلسطينيه ) الوحيده المخوله لتحديد المصالح الفلسطينيه بحكم كونها المُعبره عن أمآل وألآم الجماهير الفلسطينيه , صاحبه المصلحه الأولى بالتحرير , بحكم تحملها تبعات الإحتلال الذي يهدد مصيرها الوطني
وعلى هذا الأساس كان لقاء سيد الشهداء مع الزعيم الجزائري هواري بومدين في الجزائر بُعيد معركه الكرامه هو المُمهد لشراره إنطلاقه العمل الفلسطيني الوطني على الساحه الأوروبيه , وخاصه منها الفرنسيه , حيث تقرر ان توفد حركه فتح الأخ محمد ابو ميزر الى فرنسا ليضع لبنات اساس العمل الفلسطيني هنا , وأن تضع الوداديه الجزائريه التي كانت تؤطر المهاجرين الجزائرين في فرنسا إمكانياتها لمساعده الأخ ابو حاتم في مهمته , وتم في ذلك الوقت توكيل المناضل الجزائري محمد يزيد والذي كان قد لعب دورا كبيرا في قياده نضالات جبهه التحرير الجزائريه على الأراضي الفرنسيه , مهمه دعم هذه التوجه ....
وأوفدت حركه فتح بعد الأخ ابو حاتم , الأخ محمود الهمشري لإستكمال ما كان الأخ ابو حاتم قد بدأه , بوضع لبنات العلاقه مع ثاني اكبر الجاليات العربيه في فرنسا , الجاليه المغربيه , والتي كانت تلعب دورا سياسيا هاما بعد إختطاف احد ابرز رموزها ’’المهدي بن بركه’’ , وكان من ضمن مهام الشهيد محمود الهمشري تنظيم وضع الفلسطينيين في فرنسا وتعزيز ترابطهم بمنظمه التحرير الفلسطينيه من الإتحاد العام لطلبه فلسطين الذي عمل على تشكيله ليكون رأس حربه العمل الوطني الفلسطيني في فرنسا
وهكذا , وضعت حركه فتح اللبنات الأساسيه للعمل الوطني الفلسطيني في فرنسا , لبنات كانت اساسيه في رسم معالم الحركه الفلسطينيه على الساحه الفرنسيه خلال الحقبه الماضيه من تاريخ التواجد الفلسطيني في هذا البلد ..
***
الإتحاد العام لطلبه فلسطين في فرنسا ساهم بجداره في رسم صوره الفلسطيني المُلتزم بقضيته الوطنيه من خلال منظمه التحرير الفلسطينيه التي تُعبر عن الشخصيه الوطنيه الفلسطينيه المستقله , والتي اصبحت البيت المعنوي الحافظ للهويه الوطنيه الفلسطينيه والمُعبر عن آمال وألآم هذا الشعب
الإتحاد العام لطلبه فلسطين في فرنسا كان مصنعاً للكوادر الفلسطينيه , حيث كانت مؤتمراته السنويه , ومؤتمرات وحداته الصغيره المنتشره في اماكن تواجد الفلسطينيين مجالاً واسعاً لحوارات سياسيه طويله ومعمقه حول كل ما يتعلق بالقضيه الفلسطينيه , وكان يتوافد لها الفلسطينيين من كل انحاء فرنسا قاطعين المسافات الطويله بما يتوافر من وسائط نقل , ففي تلك الفتره لم تكن هناك شبكه الطرقات السريعه المتواجده اليوم ولا قطارات النقل السريع المتوفره اليوم , ولم يكن هناك من يمتلك امكانيه التنقل بالطائرات , فكانت الرحله من تولوز الى باريس مثلا تتطلب إثني عشر ساعه قطار , او خمسه عشر ساعه في سياره , يقطعها الفلسطينيين متلهفين للمشاركه في صنع مستقبل شعبهم من خلال مؤتمر يمثلهم حقا ويفسح لهم المجال للمشاركه في إتخاذ القرارات التي تتعلق بهم ..
كما وأنه كان ايضا من اهم حلقات الوصل ما بين الثوره الفلسطينيه والقوى والأحزاب السياسيه والشخصيات التي تلعب دورا هاما في الساحه الفرنسيه , وكانت مؤتمراته العامه محطه لقاء ما بين الكثير من تلك الشخصيات التي كانت تحضرها , ومابين العديد من قيادات الثوره الفلسطينيه ..
وهكذا تخرج من مصنع المناضلين هذا عدد لا يستهان به من الإخوه والرفاق الذين يتبوأون مواقع نضاليه متقدمه في كل المجالات المتعلقه بالقضيه الفلسطينيه , من فصائل وكوادر تنطيميه وسلك ديبلوماسي وكتاب وصحفيين ومراكز ابحاث ومٌثقفين يُشاركون بفعاليه في اعلاء شأن شعبهم وقضيته العادله , ومنهم من قضى شهيداً من امثال الشهيد عز الدين القلق والشهيد عدنان حماد والشهيد محمود صالح والشهيد فضل الضاني , ومنهم من شارك في معارك الدفاع عن الثوره الفلسطينيه متطوعاً في الأردن او في لبنان .
يتبع ـ مرحله الإنطلاق .